القرطبي
263
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لفظة ، كقولك : عشرون وثلاثون ، والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية ، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون . وهي معنى قول الطبري . وقال الزجاج : إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع ، كما تقول : هذه قنسرون ، ورأيت قنسرين . وقال يونس النحوي وأحدها : علي وعلية . وقال أبو الفتح : عليين : جمع على ، وهو فعيل من العلو . وكان سبيله أن يقول علية كما قالوا للغرفة علية ، لأنها من العلو ، فلما حذف التاء من علية عوضوا منها الجمع بالواو والنون ، كما قالوا في أرضين . وقيل : إن عليين صفة للملائكة ، فإنهم الملأ الأعلى ، كما يقال : فلان في بني فلان ، أي هو في جملتهم وعندهم . والذي في الخبر من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة من كذا ، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه ، فيقولون : ما هذا النور ؟ فيقال أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطاعة والصدق ) . وفي خبر آخر : ( إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء ) يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع . وروى ناس عن ابن عباس في قوله " عليين " قال : أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة . ثم قال : ( وما أدراك ما عليون ) أي ما الذي أعلمك يا محمد أي شئ عليون ؟ على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة . ثم فسره له فقال : " كتاب مرقوم يشهده المقربون " . وقيل : إن ( كتاب مرقوم ) ليس تفسيرا لعليين ، بل تم الكلام عند قوله " عليون " ثم ابتدأ وقال : " كتاب مرقوم " أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم في كتاب الفجار ، قاله القشيري . وروي : أن الملائكة تصعد بعمل العبد ، فيستقبلونه ( 1 ) فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم : إنكم الحفظة على عبدي ، وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وإنه أخلص لي عمله ، فاجعلوه في عليين ، فقد غفرت له ، وإنها لتصعد بعمل العبد ، فيتركونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم : أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وإنه لم يخلص لي عمله ، فاجعلوه في سجين .
--> ( 1 ) فيستقبلونه : كذا في ا ، ب ، ح ، ط ، ل .